محمد الغزالي
249
فقه السيرة ( الغزالي )
في انتصارهم على الوثنية الصريحة الشرك ضرب من الوفاء للإسلام نفسه ! ومن الاحترام للحقيقة التي معك أن تقترب مما يقرب منها ، وأن تبتعد عن كل ما يبعد عنها . وقد كان المشركون من أهل مكة منطقيين مع أنفسهم حين رحبوا بانتصار الفرس ، وعدّوه رمزا لغلبة الوثنية في كلّ صورها على أديان السماء جملة . . . فما معنى أن يغضب اليهود المواحدون - كما يزعمون - من انتصار الإسلام على الشرك ؟ وبم يفسّر حنوهم على القتلى من عبدة الأصنام ، وسعيهم الحثيث لتغليب كفة الوثنية العربية على هذا الدين الجديد ؟ ! . إنّ التفسير الوحيد لهذا الموقف أنّ اليهود انقطعت صلاتهم بمعنى الدين ، وأنّ سلوكهم العام لا يرتبط بما لديهم من تراث سماوي ، وأنّهم لا يكترثون بما يقترب من عقيدة التوحيد أو أحكام التوراة ، لأنّ هذه وتلك مؤخّرة أمام شهواتهم الغالبة وأثرتهم اللازبة ، ومن ثمّ شكك القران الكريم في قيمة الإيمان الذي يدّعيه القوم : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 ) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 ) [ البقرة ] . والظاهر أن طوائف اليهود التي عاشت بين العرب كانت عصابات من المرتزقة ، اتخذت الدين عنوانا لمطامع اقتصادية بعيدة المدى ، فلمّا توهّمت أنّ هذه المطامع مهدّدة بالزوال ظهر الكفر المخبوء ، فإذا هو كفر باللّه وسائر المرسلين . ولم يعرف أولئك شرفا في حرب الإسلام ، ولم يقفهم حد أو عهد في الكيد له ، فلم يكن بدّ من إجلائهم وتنظيف الأرض منهم . مقتل كعب بن الأشرف : وقد تعقّب المسلمون كلّ غادر بعهده ، مجاهر بحرب اللّه ورسوله ، مؤيّد لقريش ورأيها ، مظهر للعطف والأسف على ما أصابها . . تعقّب المسلمون هؤلاء الطّغام من زعماء اليهود وسراتهم بالقتل والإرهاب .